
مانشيت – متابعات
ترجمة / تجمع روابط دارفور بالمملكة المتحدة لتقرير صحيفة الغارديان حول الهجوم على معسكر زمزم للنازحين
مارك تاونسن
بينما كانت المملكة المتحدة تستعد لاستضافة قمة دولية تهدف إلى تحقيق السلام في السودان، بدأت قوات الدعم السريع شبه العسكرية مجزرة “إبادة جماعية” في معسكر زمزم للنازحين. ولكن عندما بدأت ظهور تقارير حول عمليات القتل، التزمت لندن الصمت. ولأول مرة، ومن خلال تقارير استخباراتية وشهادات شهود عيان، نعيد تركيب ما حدث خلال فظائع أبريل في معسكر زمزم ولماذا لم يتم إيقافها.
الجمعة، 11 أبريل 2025
معسكر زمزم، السودان
رغم أنها لم تكن تتجاوز الثانية والعشرين من عمرها، كانت الممرضة هنادي داود خبيرة في كل الطرق التي يمكن أن يفتك بها الفقر بالناس. كانت تستطيع فوراً معرفة ما إذا كان الطفل سينجو حتى نهاية اليوم. في مكان يموت فيه رضيع كل ساعتين، تتعلم مثل هذه المهارات سريعاً.
كانت هنادي تدير مركزًا صحيًا صغيرًا في معسكر زمزم، المعسكر الضخم للنازحين في إقليم دارفور بالسودان، قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم.
في صباح يوم الجمعة، 11 أبريل، كانت العيادة مزدحمة بالفعل قبل الإفطار. لكن هنادي كانت تدرك أن الوضع قد يزداد سوءًا. في خارج زمزم، كانت قوات الدعم السريع شبه العسكرية المعروفة بسمعتها السيئة – تحتشد من ثلاث جهات، استعدادًا لهجوم بري محتمل.
كان البعض يعتقد أن قوات الدعم السريع قد تتراجع. حتى بالنسبة لمجموعة متهمة بارتكاب إبادة جماعية، بدا لهم أن معسكر زمزم هدف سهل للغاية. فعدد سكانه البالغ 500 ألف نسمة أغلبهم من النساء والأطفال – كانوا بلا دفاع تقريبًا. كما أنهم كانوا يعانون من الجوع حتى الموت.
يقول محقق في جرائم الحرب تابع للأمم المتحدة، طلب عدم الكشف عن هويته:
“في زمزم، تجد واحدة من أكثر إن لم تكن الأكثر الفئات السكانية هشاشة على هذا الكوكب.”
ورغم ذلك، وبعد الساعة الثامنة صباحًا بقليل، هزّ القصف المدفعي العنيف أرجاء زمزم. كانت الطائرات المسيرة تحوم فوقه. لقد بدأ الهجوم.
معسكر زمزم، السودان
الساعة 9:30 صباحًا
شنت قوات الدعم السريع هجومًا متعدد الجبهات، واخترقت الساتر الترابي الدفاعي للمعسكر. بدا واضحًا حجم القوة النارية للمهاجمين، إذ أشعلوا النار في الأحياء التي مروا بها.
بالقرب من المدخل الجنوبي للمعسكر، كانت نحو 50 فتاة مراهقة جالسات، تتصفحن في هواتفهن. شاهد شهود عيان كيف تم دفعهن داخل سيارات شاحنة صغيرة تابعة لقوات الدعم السريع، واقتيدن بعيدًا. ولم ير أي منهن منذ ذلك الحين.
على بُعد 200 متر شرقًا، دخلت 30 شاحنة صغيرة تابعة للدعم السريع إلى حي “أحمداي”. أُحرقت 60 منزلاً تعود ملكيتها لأفراد من قبيلة الزغاوة. وأُطلق الرصاص على النساء أثناء هروبهن. بقيت ست نساء في منازلهن، واحرقن أحياء.
على بُعد خمس دقائق شمال أحمداي، كانت فاطمة بخيت، الحامل والبالغة من العمر 25 عامًا، مستلقية بجانب زوجها وطفليها وعمها الكفيف. ومن خلف سياج، كانت تستطيع أن ترى العيادة الدولية الوحيدة التي لا تزال تعمل في زمزم، والتي تديرها منظمة الإغاثة الدوليه.
الساعة 11 صباحًا
اقتحمت أربع شاحنات تويوتا هايلوكس تابعة للدعم السريع بوابة مجمع العيادة. راقبت فاطمة بخيت الأطباء وهم يهرعون إلى خنادق محفورة تحت الأرض كانت تلك الحفر قد حُفرت من قبل السكان لحمايتهم من القصف المدفعي. اختبأ خمسة من الموظفين في إحدى الحفرتين، وأربعة في الأخرى.
صرخ أحد المقاتلين:
“اخرجوا يا عبيد!” (باللغة المحلية: فلنقايات)
خرج طبيب، مصاب بشظايا القصف، فأُطلق عليه الرصاص في بطنه وسقط مجددًا في الخندق، جريحًا لكن على قيد الحياة. أُطلقت عليه رصاصتان أخريان. وتقول “حفيظة” – وهي شاهدة أخرى على الحادثة:
“طُلب من الآخرين الاستلقاء على ظهورهم. ثم أُعدِموا.”
تم اصطفاف من كانوا في الحفرة الثانية تحت تهديد السلاح. وتم إعدامهم أيضًا.
قُتل زوج فاطمة بخيت، وتوالى إطلاق النار. أُصيب ابنها البالغ من العمر خمس سنوات برصاصة في ظهره. تقول فاطمة بخيت:
“سقطت أجزاء من جسده في يدي.”
أما ابنها الآخر، البالغ من العمر ثلاث سنوات، فزحف نحوها، وقد تلطخ بالدماء المتناثرة من جسد شقيقه. أُصيبت فاطمة في ساقها اليمنى ويدها.
صرخ أحد الضباط من قوات الدعم السريع:
“هيه! قلتُ لا تطلقوا النار على النساء والأطفال!”
ثم توجه إلى فاطمة قائلًا:
“رجالكم عبيد، انهضي!”
تعثر عمها الكفيف أثناء محاولته الوقوف، فقُتل على الفور.
معسكر زمزم، السودان
الساعة 11:30 صباحًا
دخلت قوات الدعم السريع مدرسة “الشيخ فرح” القرآنية المجاورة للعيادة. كانت تعجّ بالطلاب وسكان المعسكر الذين احتموا بها. من بينهم كانت “سمية آدم”، التي تقول:
“اختبأنا، لكن المهاجمين سحبوا الرجال من الداخل.”
راقبت “فاطمة بخيت” وهي ترى ما لا يقل عن 15 من الأطفال والرجال يُسحبون إلى الخارج.
“أوقفوهم في صف واحد، ثم أطلقوا النار عليهم جميعًا حتى الموت.”
استمرت المجزرة، التي جمعت بين الدقة في التنفيذ والوحشية العشوائية، لمدة 70 ساعة متواصلة.
حتى الآن، ظل ما جرى في زمزم طي الكتمان إلى حد كبير؛ إذ قُتل العديد ممن شهدوا هذه الفظائع. لكن شهادات العشرات من الناجين، إلى جانب تقارير استخباراتية ومصادر أممية، تكشف صورة دقيقة لإحدى أكثر المحطات صدمة في الحرب المتفاقمة في السودان.
من خلال تجميع الشهادات، تتضح صورة مروعة لعملية ذبح عرقي على نطاق واسع، لدرجة أن هجوم زمزم يُحتمل أن يكون ثاني أكبر جريمة حرب في الصراع الكارثي في السودان، بعد مجزرة مماثلة وقعت في غرب دارفور قبل نحو عامين.
تشير التقديرات الرسمية إلى مقتل ما يصل إلى 400 شخص في زمزم. لكن لجنة تحقيق مستقلة قدّرت عدد الضحايا بأكثر من 1,500 حتى الآن. ويقول محمد شريف، عضو اللجنة:
“العدد النهائي سيكون أعلى بكثير؛ لا يزال هناك مئات لم يُعثر عليهم بعد.”
خبير في فظائع دارفور، أجرى مقابلات مع عشرات من الناجين من زمزم، يقول إنه “متأكد” من أن عدد القتلى تجاوز 2,000.
لكن قوات الدعم السريع كانت تريد موت شخص واحد أكثر من أيٍّ كان: هنادي.
منذ البداية، حدّد القادة في قوات الدعم السريع الممرضة الشابة كهدف أول. فقد أثارت غضبهم لقطات فيديو تُظهرها وهي تحثّ سكان زمزم على الصمود وعدم الفرار.
تم تدبير خطة استثنائية للتخلّص منها، تضمنت عملاء سريين، ورشاوى، واغتيالًا على يد مسلحين بملابس مدنية.
تقول “مناهل”، إحدى صديقات هنادي:
“هم يكرهون النساء خصوصًا النساء اللواتي يواجهنهم ويقاومنهم.”
لندن، المملكة المتحدة – الساعة 12:15 ظهرًا
في نفس التوقيت تقريبًا الذي تم فيه إعدام طاقم منظمة “ اعانة الدولية”، كانت وزارة الخارجية البريطانية تنشر تفاصيل إحاطة إعلامية تتعلق بمؤتمر مقبل حول السودان.
ففي غضون أربعة أيام، أي في 15 أبريل، كان من المقرر أن تستضيف قاعة “لانكستر هاوس” في لندن قمة عالمية تهدف إلى إحلال السلام في السودان. وكان التاريخ محفورًا في ذاكرة السودانيين: الذكرى الثانية لاندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع التي مزّقت البلاد.
ورغم أن المؤتمر كان على بُعد أيام، لم تشر الإحاطة الصحفية البريطانية إلى المجازر الجارية في زمزم. لكن الأنباء التي كانت ترد لحظة بلحظة بدأت تثير حالة من الذعر وسط الجاليات السودانية في الخارج.
بدأ المسؤولون البريطانيون يتلقّون تحذيرات انتهاكات حقوق الإنسان. ووفقًا للمصادر، فقد أُبلغ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قبل يومين من هجوم زمزم بأن هجومًا واسع النطاق على المعسكر بات وشيكًا.
وقبل شهر من ذلك، كان محللون من جامعة ييل (Yale) قد أبلغوا المجلس أن معسكر زمزم في خطر وكانت هذه واحدة من خمس تحذيرات مباشرة قدّموها في عام 2025.
يقول ناثانيال رايموند، من مختبر البحوث الإنسانية في جامعة ييل:
“لقد بذلنا جهودًا مركزة لتحذير المجتمع الدولي من أن هجومًا واسع النطاق على زمزم كان وشيكًا، بل حتميًا.”
بل إن مصادر أكدت أن أقل من 24 ساعة قبل الهجوم، قام خبراء قلقون من الوضع بتنبيه مسؤولين في وزارة الخارجية البريطانية على هامش فعالية في معهد تشاتام هاوس بلندن، محذرين من مذبحة عرقية محتملة في زمزم.
كان الهجوم على أكبر معسكر نازحين في السودان هو السيناريو الذي يخشاه الجميع.
قبل عشرين عامًا، أُسس هذا المعسكر ليكون ملاذًا لقبائل دارفور الإفريقية التي كانت تتعرض للذبح على يد الميليشيات العربية وهي نفس الميليشيات التي تحولت لاحقًا إلى قوات الدعم السريع.
لم تسلم أي عائلة في دارفور تقريبًا من العنف الذي أودى بحياة ما يصل إلى 300 ألف شخص.
وُلدت هنادي في العام الذي بدأت فيه الإبادة الجماعية، واختارت أن تصبح ممرضة بسبب المعاناة التي شاهدتها في طفولتها.
ولم تتوقف أعمال العنف منذ ذلك الحين. توسّع معسكر زمزم مع كل موجة جديدة من القتال. ومع امتداده لمسافة 7 كيلومترات، لم يمنع حجمه قوات الدعم السريع من محاصرته من جميع الجهات.
ومنذ يونيو 2024، وُضع المعسكر تحت حصار خانق. أصبح الغذاء نادرًا إلى حد أن السكان اضطروا إلى أكل أوراق الشجر للبقاء على قيد الحياة. وفي أغسطس من نفس العام، أُعلنت المجاعة رسميًا.
يقول أحد مسؤولي الأمم المتحدة:
“كان هناك واجب أخلاقي على مؤتمر لندن لكسر الحصار.”
لكن ظهرت عقبة دبلوماسية حساسة: من بين الدول العشرين المدعوة للمؤتمر كانت الإمارات العربية المتحدة أحد أهم الشركاء الاقتصاديين للغرب.
ورغم أن الإمارات “ترفض بشكل قاطع” أي اتهامات بتزويد قوات الدعم السريع بالسلاح أو المعدات العسكرية، فإن مزاعم واسعة الانتشار تشير إلى عكس ذلك. ويُعتقد على نطاق واسع أن أسلحة مرتبطة بالإمارات استُخدمت في هجوم زمزم، رغم نفي أبوظبي.
ومع ذلك، رأى الناشطون فرصة فريدة. فالهجوم الذي وقع عشية مؤتمر لندن كان كفيلاً، برأيهم، بدفع وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي إلى اتخاذ موقف واضح من الإمارات.
يقول أحد خبراء الأمم المتحدة:
“كان بإمكان لامي استخدام نفوذه للقول لنظيره الإماراتي: أوقفوا الهجوم الوحشي على معسكر نازحين، وإلا فلن تكونوا موضع ترحيب في مؤتمر لندن.”
وكان لمثل هذا التحذير وزنه، إذ تشير مصادر إلى أن المسؤولين الإماراتيين على “اتصال دائم” مع قائد قوات الدعم السريع، الجنرال محمد حمدان دقلو، المعروف بـ”حميدتي”.
وتؤكد المصادر أن الإمارات سبق أن تدخّلت بالفعل لمنع مذبحة أخرى: ففي يونيو 2024، اتصلت أبوظبي بحميدتي وطلبت منه وقف هجوم كان مخططًا له على مدينة الفاشر، بعد أن أصدر مجلس الأمن قرارًا يطالب قوات الدعم السريع بوقف القتال حول زمزم والفاشر.
وبالفعل، لم يحدث ذلك الهجوم في حينه
الجمعة، 11 أبريل
معسكر زمزم، السودان
واصلت قوات الدعم السريع التوغّل داخل زمزم. كانت تداهم المنازل بيتًا بيتًا، وتُعدم من فيها دون محاكمة.
رأت “تيسير عبد الله” بعينيها كيف قُتلت عمّتَاها وبناتهما الصغيرات داخل منزلهن قرب السوق المركزي.
أما “مريم”، فشهدت دخول الميليشيا إلى بيت أختها.
“سحبوها إلى الخارج وقتلوها. ذبحونا مثل الحيوانات،” قالت.
في تلك الأثناء، كانت “رُقيّة” وعائلتها في طريقهم للمغادرة عندما اقتحمت قوات الدعم السريع منزلهم. دون كلمة واحدة، فتح الجنود النار.
أصيبت “رُقيّة” لكنها استطاعت أن تفرّ وهي تجرّ قدمها. تُرك ثلاثة آخرون خلفها ليموتوا.
في أماكن متفرقة من جنوب زمزم، كان مقاتلو قوات الدعم السريع يعرضون رشاوى ضخمة للحصول على أي معلومات تقودهم إلى “هنادي”.
يقول “إسماعيل إدريس”، أحد أقاربها ويعيش في مدينة “ريدينغ” البريطانية:
“كانوا يعرضون مبالغ هائلة.”
وصفت “كلتومة”، إحدى المقيمات في المعسكر، كيف وصل المقاتلون إلى باب بيتها وهم يصرخون:
“أين هي؟ أين هي؟!”
ورغم كل تلك الجهود للعثور عليها، كانت هنادي غالبًا أمام أعينهم مباشرة.
يقول صديقها “محمد أفندي”:
“كانت في الخطوط الأمامية، تعالج المصابين وتضمد الجراح.”
تزايد عدد الجرحى.
وكانت المقاومة مكونة من خليط عشوائي من متطوعين وقوات مشتركة مهمتها الأساسية حماية المدنيين، لكنها كانت مسلحة بشكل بدائي وعددها ضئيل للغاية.
فبينما هاجمت قوات الدعم السريع زمزم بنحو 200 سيارة ، كان عدد المدافعين أقل بسبع مرات.
وبحلول الظهر، كانت قوات الدعم السريع قد اجتازت الطريق السريع B26 ودخلت إلى قلب المعسكر.
أُطلق نداء للمواطنين للمشاركة في الدفاع عن زمزم.
يقول أحد السكان، محمد أفندي:
“كانت هنادي من أوائل من لبوا النداء.”
توجهت هنادي إلى الخطوط الأمامية مسلّحة بسكين مطبخ بسيطة.
ورغم مواجهة طائرات مسيرة متطورة وقنابل موجهة، يقول والدها “جمعة” إن وحدتها تمكنت من صدّ هجوم واحد على الأقل.
بحلول بعد الظهر، أصبحت وحدة هنادي محاصَرة بالقرب من السوق المركزي.
يصف شهود كيف وضعت الممرضة سكينها جانبًا لتُسعف الجرحى.
يقول محمد شريف (27 عامًا):
“رأيتها وهي تنقذ المصابين وتقدّم لهم الدواء تحت وابل من الرصاص.”
كانت الامال تتجة نحو حامية عسكرية كبيرة تابعة للجيش السوداني في مدينة الفاشر، التي تبعد 7 أميال فقط (حوالي 11 كيلومترًا).
لكنها لم تتحرك.
يقول المعلم محمد آدم:
“كنا ننتظر دعمًا من الفاشر، لكنه لم يأتي وحتى اليوم لا نعرف السبب.”
لم يكن السوق المركزي وحده تحت الحصار.
رأى “مصطفى بورا” مقاتلي الدعم السريع يتجهون نحو المطبخ الجماعي في المعسكر.
ركض بورا إلى هناك، محذرًا الجميع بضرورة الإخلاء فورًا. لكن “حسنات موسى” وكانت حاملًا في شهرها السابع – ورفيقتها “نانا إدريس” رفضتا المغادرة.
صرخ المقاتلون عند اقتحام المطبخ:
“لماذا تطبخن للعبيد؟” ثم حطموا الأواني.
لم توفر الحمل حماية لحسنات ولا صداقتها نانا.
فقد تم إعدامهما فورًا.
اقترب المهاجمون من موقع هنادي الجديد: مركز صحي مؤقت شمال السوق. كان هشام محمد يقاتل إلى جانبها. يقول: “قالت لنا: ‘موتوا بكرامة. سأبقى هنا حتى النهاية’.”
قد لا تكون هنادي قد لاحظت الرجال وهم يقتربون. لم يكشفوا أسلحتهم إلا عندما أصبحوا بجانبها. تم إطلاق النار عليها من مسافة قريبة.
يقول جمعة: “تسللت عناصرهم إلى المعسكر متنكرين في زي مدني لتنفيذ عملية اغتيالها.”
تُظهر لقطات أصدقاءها وهم يحملونها إلى عيادة بدائية أخرى، في ظل دوي مستمر لإطلاق النار.
في ذلك الوقت، كان معظم سكان زمزم يفرّون شمالاً. تساقطت القذائف على العائلات الهاربة، بينما صعد قناصة قوات الدعم السريع إلى الأشجار ليصطادوهم واحداً تلو الآخر.
شهدت مريم لحظة مروّعة حين سُحِق أطفال بقذيفة أثناء فرارهم. تقول: “لن يدفنهم أحد على الإطلاق”.
وصف آخرون كيف قفزوا فوق أطراف بشرية متناثرة. كان الأطفال الجرحى ينزفون منتظرين مساعدة لم تأتي قط.
اختبأ المئات تحت الأرض في حفر ضيقة خانقة. يقول شاهد عيان، ادومة علي: “امتلأت بسرعة بالنساء والأطفال”.
كانت فرق الموت التابعة لقوات الدعم السريع تمشّط المنطقة. من يُعثر عليه داخل حفرة يُعدم رمياً بالرصاص.
أبعد جنوباً، كانت فاطمة بخيت مستلقية دون حراك بجوار جثتي زوجها وطفلها. في الساعة الثالثة مساءً، حاول أحد الجيران الوصول إليها، فأُصيب برصاصة في رجله.
الساعة 6:30 مساءً
حلّ الظلام. انسحبت قوات الدعم السريع. يقول علي: “فجأة ساد الصمت. خرج الناس من الحفر وهم في حالة ذهول”. ومع تلاشي دوي إطلاق النار، بدأ صراخ الأطفال يُسمع في العتمة.
ثم تلا ذلك صوت المعاول وهي تحفر الأرض، حيث دُفنت الجثث في قبور سطحية. وضعت بخيت زوجها وابنها البالغ من العمر خمس سنوات في حفرة تم توسيعها لتصبح قبرًا لهما.
في الأحياء الجنوبية من زمزم، جلب الليل رعبًا آخر. كان المقاتلون يتجولون في الشوارع المدمّرة بحثًا عن نساء لاختطافهن. وفي أحياء حمادي وكرابة، بدأوا بالاغتصاب.
في أماكن أخرى، توجه السكان شمالاً نحو حي سلومة، حيث مرّ كثيرون بالعيادة المؤقتة التي كان المتطوعون يقاتلون فيها لإنقاذ هنادي.
وفي لندن، مع حلول الليل، كان الغضب يعم أوساط العاملين في المجال الإنساني. فشلت محاولاتهم في دفع وزارة الخارجية البريطانية (FCDO) لإصدار بيان بشأن زمزم قبل انعقاد المؤتمر. يتذكر أحد أبرز خبراء حقوق الإنسان قائلاً: “الجميع كان غاضبًا، يتساءلون: أين لامي؟”
لم يستطيعوا ممارسة أي ضغط على الدبلوماسيين السودانيين خلال المؤتمر، لكونهم جميعًا غير مدعوين.
أما تفاصيل الفظائع التي قُدّمت لصناع القرار في الغرب، فقد قوبلت بلطف بارد. تقول شخصية بارزة في العمل الإنساني: “عُرضت عليهم أدلة على الإبادة الجماعية، فكان الرد: شكرًا لمشاركتكم. أبقونا على اطلاع”.
ورغم أن المملكة المتحدة هي “حاملة القلم” بشأن السودان – أي أنها تقود أنشطة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن ثالث أكبر دولة في أفريقيا – إلا أنه لم يحدث شيء.
اعتبر كثيرون أن توقيت الهجوم قبل المؤتمر كان مقصودًا. يقول محقق بالأمم المتحدة: “كان استفزازًا صارخًا. وكأن قوات الدعم السريع – ومن يُزعم أنهم داعموها، الإمارات – يقولون: تفضلوا، دعونا نرى ما أنتم فاعلون.
السبت، 12 أبريل – زمزم
الساعة 8 صباحًا
اهتزت زمزم مجددًا تحت قصف مدفعي عنيف. أحصى أحد السكان 250 قذيفة. وبدأ عشرات الآلاف من السكان في التحرك نحو حي سلومة.
غادرت نفيسة منزلها في منطقة جفالو لتواجه مشهدًا من الدمار. تقول: “رأيت 18 جثة، من بينها طفل قُتل بالقصف.”
استهدفت الطائرات المُسيّرة الطرق الرئيسية. وفي الساعة 11 صباحًا، رأى بورا فتاة تتحرك بصعوبة في حي لبادو، وقد اخترقت شظايا وجهها وفقدت إحدى عينيها.
قِسمة، وهي عاملة إغاثة، كانت تراقب مقاتلين مراهقين يطلقون النار على كل من يصادفونه. تقول: “لم يحاولوا حتى الحديث. كانوا يطلقون النار فورًا على أي أحد.”
في جميع أنحاء زمزم، كان مشهد أشبه بلعبة مطاردة قاتلة.
جمال، عامل صحي، كان مع عائلته قرب مستشفى أطباء بلا حدود شبه المهجور حين اقتربت قوات الدعم السريع.
ركض جمال إلى أحد المنازل، وانضم إلى 50 شخصًا مختبئين بداخله مع قطيع من الأغنام. نظر إلى الشارع من النافذة. كان السكان يُسحبون للخارج.
يقول: “رأيتهم يقتلون ستة مدنيين؛ خمسة شباب ورجل تجاوز الثمانين.”
اقتربت القوات أكثر. دوى إطلاق نار بالخارج. وفجأة، انفتح الباب.
“دخلوا، ورأوا الأغنام، فأخذوها ونسوا من في المنزل. لكنهم كانوا يقتلون أي شخص، حتى الأطفال. قُتل ابن عمي بهذه الطريقة”، يقول جمال.
سلك بعض الناس طريق الشرق، بحثًا عن ملاذ في وادي قريب.
حليمة وأطفالها الثلاثة فروا إلى هناك، لكن مركبات الدعم السريع طاردتهم. لم يكن لديهم أي فرصة.
تقول حليمة: “قبل أن يتحدثوا، أطلقوا رصاصة في رأس ابني البالغ 16 عامًا. هاجمت من أطلق النار، لكن أربعة رجال أمسكوا بي؛ اثنان من قدمي واثنان من يدي. الرجل الذي قتل ابني اغتصبني.”
ثم اغتصبوا ابنتيها المراهقتين. “كنت أسمع صراخهن، خصوصًا ابنتي الصغرى ذات الثلاثة عشر عامًا. بعد ساعة ونصف، غادروا.”
غطّت حليمة جثة ابنها بملابس، وحملت ابنتها الصغرى، التي لم تكن قادرة على الوقوف، إلى سلومة.
بعض الجرائم تم إحباطها بفضل نساء انضممن إلى وحدات الدفاع الذاتي بعد أن استُلهمن من هنادي. عندما كانت قوات الدعم السريع تطارد فاطمة رمضان، تدخلت مجندات الدفاع الذاتي، “كن صغيرات في السن مثل الفتيات”. قالت فاطمة: “أعطتنا الفتيات نصائح وإرشادات للخروج من المعسكر.
بحلول بعد الظهر، كان السوق المركزي يحترق. وتوالت الأخبار السيئة:
فشلت محاولات إنقاذ هنادي. وفي نحو الساعة الثالثة مساءً، تم دفن الممرضة في موقع سري لمنع قوات الدعم السريع من تدنيس جثتها.
كانت الذخيرة والوقود والإمدادات الغذائية على وشك النفاد. أخبر قادة القوات المشتركة قواتها أنهم يدرسون الانسحاب الكامل.
بدأت تظهر تقارير عن إعدامات للأطفال. في رواية واحدة، حاصرت قوات الدعم السريع كوخًا من القش غرب زمزم، كان بداخله عدة رُضّع. وقف الجنود عند الباب و”فتحوا النار على الأطفال”.
مع حلول الظلام، بدأت موجات من الناس تتحرك بصمت نحو سلومة. انسحبت القوات المشتركة إلى الفاشر.
لندن
كان تقاعس الجيش السوداني عن نجدة زمزم مؤلمًا. تشير إحدى النظريات إلى أن الجيش تعمّد التراجع وترك قوات الدعم السريع ترتكب المجازر، على أمل أن يُضطر الساسة المجتمعون في لندن إلى إدانة الميليشيا وحليفها الخليجي.
بدأ عطلة نهاية الأسبوع بتوقع قوي أن يخرج ديفيد لامي (وزير الخارجية البريطاني) ببيان مبكر وحاسم بشأن زمزم. كانت رسائل الواتساب بين خبراء الفظائع ومسؤولي وزارة الخارجية البريطانية تحث الوزير على التحرك.
ورغم أن المسؤولين “أقرّوا” بخطورة الوضع في دارفور، فإن العاملين في المجال الإنساني، ولأول مرة، بدأوا يعتقدون أن الحكومة البريطانية قد لا تفعل شيئًا على الإطلاق.
يقول مصدر على اتصال متكرر بمستشاري ديفيد لامي:
“من الواضح أن زمزم كانت تُشكل محور المؤتمر. هل كانوا يتعمدون تجاهلها؟”
ومع مرور الساعات وتزايد قائمة الفظائع التي ارتكبتها قوات الدعم السريع، بدا أن الحكومة البريطانية اتخذت قرارًا بالصمت.
لم يُعقد اجتماع طارئ، ولم تُنظم أي لقاءات مباشرة مع المجموعات التي تجمع الأدلة حول جرائم الحرب في زمزم.
تم تحذير المسؤولين مرارًا من أنهم يغامرون بتجاهل إبادة جماعية محتملة. وتضمنت الرسائل المتبادلة بين مستشاري مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة مقارنات بين الهجوم على زمزم ومجزرة سربرنيتسا، حيث قُتل أكثر من 8,000 رجل وفتى بوسني مسلم على يد القوات الصربية في عام 1995.
هل مارس لامي أي ضغط على نظيره الإماراتي بشأن زمزم؟ هل تحدث عنها أصلاً؟
رفضت وزارة الخارجية البريطانية (FCDO) التعليق.
يقول أحد أبرز المحللين في مجال حقوق الإنسان:
“في نهاية المطاف بالقلم والسيف كانت قوات الدعم السريع تنفذ مشروعها في زمزم، بينما كانت الإمارات تنفذ مشروعها في لندن. كلا الطرفين كانا يعملان على إبقاء مشروع الإبادة قائمًا.”
اشتد التوتر.
يضيف المحلل: “في مرحلة ما، شعر بعض المسؤولين أن الفظائع المتصاعدة لا تستحق حتى الاتصال بلامي من أجلها.”
من جانبها، قالت الإمارات لصحيفة الغارديان:
“نرفض بشكل قاطع أي ادعاءات بتقديم أي شكل من أشكال الدعم لأي من طرفي النزاع منذ اندلاع الحرب الأهلية.”
لندن – الساعة 3 مساءً
وفي توقيت جرى تأخيره ليتناسب مع الزملاء في الولايات المتحدة، اجتمع النشطاء عبر الإنترنت للتخطيط لكيفية التصدي لحالة الجمود.
تلقّى الصحفيون تفاصيل عن أعمال عنف ترقى إلى الإبادة الجماعية.
حلّ الظلام، ولم يصدر أي رد من الحكومة البريطانية.
كذلك، لم يُدعى إلى أي اجتماع طارئ في مجلس الأمن.
كان أولئك الذين يراقبون الفظائع من لندن غارقين في شعور بالعجز.
ظهرت رسالة على واتساب تقول:
“النجدة! هذا جحيم!”
لندن – الساعة 7:51 مساءً
وأخيرًا، حدث شيء ما: نشر ديفيد لامي تغريدة.
كتب: “تقارير صادمة من دارفور”، في إشارة إلى ما يدور هناك وتحفيزًا للمؤتمر المزمع.
وأضاف: “يجب على جميع الأطراف الالتزام بحماية المدنيين.
مع بزوغ الفجر، احتشد الآلاف في ساحة سلومة شمال زمزم، بينما اكتظ مئات آخرون داخل المسجد الكبير بحثًا عن الحماية.
بعد وقت قصير من الساعة الثامنة صباحًا، اجتاحت قوات الدعم السريع الساحة.
وأُمر من كانوا يحتمون داخل المسجد بالخروج.
يقول إبراهيم:
“بدأت قوات الدعم السريع بتقسيم الناس على أساس العرق والبنية الجسدية. وبدأوا بالشباب.”
طُلب من الرجال الاصطفاف في طابور.
ولا يُعرف على وجه التحديد كم عدد الذين قُتلوا، لكن إبراهيم يقول:
“تم إعدام عدد كبير بإطلاق النار.”
تم فصل الرجال والنساء المسنين إلى مجموعات.
ويضيف إبراهيم أن من تم التعرف عليهم كأشخاص من قبيلة الزغاوة أو من المرتبطين بالقوات المشتركة، تعرّضوا للضرب الوحشي.
كما أُهين قادة المجتمع والمعلمون.
أما العنف المفرط فكان من نصيب ممرضة شابة أخرى تُدعى محراب.
وعند العثور على قفازات جراحية في حقيبتها، ضُربت مرارًا لأنها كانت تُعالج جرحى الفنقايات (وهو مصطلح يُستخدم للإشارة إلى ضحايا القتال، وربما مقاتلين مناوئين للدعم السريع).
وبحسب الشهود، تم فصل النساء والأطفال وفقًا للبنية الجسدية؛ ومن اعتُبروا أقوياء بما يكفي، أُجبروا على قيادة الماشية سيرًا على الأقدام إلى كبكابية، على بُعد 170 كيلومترًا.
ثم وردت شهادات عن سقوط ثماني قذائف في ساحة سلومة.
واندفع المقاتلون نحو الحشد من الشرق والغرب.
وسط هذا الفوضى العارمة، فقدت فاطمة بخيت ابنها البالغ من العمر ثلاث سنوات.
وقد هرعت، وهي تترنح من الألم، باتجاه الجنوب بحثًا عنه.
وكانت الجثث متناثرة في كل مكان.
تقول فاطمة بخيت:
“كانت المركبات تنبعث منها رائحة الجثث، إذ لا تزال الأجساد بداخلها. قال أحد قادة الدعم السريع: ‘ارموا هذه الجثث في الخور.’”
تُؤكد صور الأقمار الصناعية الدمار الواسع في زمزم. وبينما كانت النيران تلتهم المعسكر، بدأت وحدات الدعم السريع قصف الفاشر.
الساعة 1 ظهرًا
كان المعسكر يعيش حالة انسحاب كامل. وفي الساعة 1:45 مساءً، تلقت رابطة الأطباء السودانيين الأمريكيين رسالة من زملائهم في دارفور تقول:
“زمزم أصبحت تحت سيطرة قوات الدعم السريع.”
باتت النساء العالقات في المعسكر أكثر عرضة للخطر.
تم اغتصاب ما لا يقل عن ثماني نساء خلال فترة بعد الظهر.
واختُطفت أخريات، وتم الإبلاغ عن نقل 11 امرأة لمسافة 30 كيلومترًا جنوبًا، حيث طالبت الجهات الخاطفة عائلاتهن بفدية تعادل 6,000 جنيه إسترليني لإطلاق سراحهن.
في سلومة، كان الحشد الضخم محاصرًا من قبل قوات الدعم السريع.
يقول جمال عبد الله، وهو معلم:
“نقص الغذاء والماء أدى إلى وفاة العديد من الأطفال.”
وعندما أُتيحت لهم الفرصة أخيرًا للمغادرة، فر أكثر من 400,000 شخص من زمزم وعدد كبير منهم فروا نحو طويلة.
وكانت أسرة هنادي من بين هؤلاء.
كانت رحلة جحيمية.
تعرضت النساء والفتيات للاغتصاب عند نقاط التفتيش.
أما الرجال، فكانوا يتجنبون الطرق الرئيسية خوفًا من الإعدام.
لكن القاتل الأكبر كان الجوع والعطش، إذ تشير مصادر إلى أن المئات ربما لقوا حتفهم أثناء الرحلة.
وكانت التمييزات العرقية حاضرة بقوة:
كان يُسأل المسيرون بلغة الزغاوة: “كيف حالك؟”
ومن يرد بلغتهم كان يُضرب.
لم تتمكن فاطمة بخيت من العثور على طفلها الصغير في زمزم، فانضمت إلى الحشود المتجهة نحو طويلة.
تقول:
“فقدت زوجي وأطفالي. لم أشعر بشيء. لا حتى الجوع.”
رغم الفظائع، فقد وردت العديد من الشهادات عن أفعال بطولية وإنسانية؛
آلاف الأطفال وكبار السن حملهم غرباء على ظهورهم لمساعدتهم في الوصول.
ما بعد الكارثة
بكل المقاييس، كان مؤتمر لندن حول السودان فاشلًا، وقد تعرقل بفعل الخلافات بين الإمارات ودول عربية معارضة لها.
وقد تجاهل البيان الختامي للمؤتمر بالكامل فظائع دارفور.
زمزم لم تُذكر حتى مرة واحدة.
يقول مصدر في الأمم المتحدة:
“وكأنهم تظاهروا أن ذلك لم يحدث أصلًا.”
بينما تقول الحكومة البريطانية إن المؤتمر “عزز التنسيق الدولي بشأن السودان بشكل جوهري.”
لم يُخصّص ديفيد لامي يوم 15 أبريل للسودان، بل التقى سرًا بنظيره الإسرائيلي، ولم تفصح وزارة الخارجية عن مدة أو سبب أو مكان اللقاء.
يعلّق أحد الدبلوماسيين:
“لماذا لم يُخصص كل جزء من جدول أعماله في ذلك اليوم لحماية المدنيين في السودان؟”
كما همّش المؤتمر أهم فئة في السودان: النساء.
تقول هالة الكارب من المبادرة الاستراتيجية للنساء في القرن الأفريقي:
“المرأة السودانية هي العمود الفقري لمجتمعاتها. هنّ من يهرّبن الطعام والدواء ويخاطرن بأرواحهن. ومع ذلك، لا وجود لنا في صنع السياسات أو دوائر القرار.”
يري عبدالله أبو قردة، من تجمع روابط دارفور بالمملكة المتحدة، أن مجزرة زمزم تُثبت أن بريطانيا اختارت النفوذ الاقتصادي الإماراتي على حساب حقوق الإنسان.
ويضيف ان من أصل 30,000 عضو في منظمته، أن 4,500 منهم يعرفون صديقًا أو قريبًا قضى نحبه في المجزرة.
ويقول سليمان يوسف، المقيم في ليدز:
“فقدتُ ثمانية من أفراد عائلتي. قُتلوا جميعًا في مكان واحد.”
في 17 أبريل، ومع بدء اتضاح حجم المجزرة، أصدر مجلس الأمن الدولي إدانة للهجمات “المتكررة” على زمزم.
وبعد أسبوع، أصدر ديفيد لامي بيانًا قال فيه إن الهجوم يحمل “سمات التطهير العرقي”. ومنذ ذلك الحين، لم يصدر أي بيان رسمي منه حول السودان.
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية البريطانية (FCDO)، واصفًا هجمات زمزم بأنها “شنيعة”:
“المملكة المتحدة ووزير الخارجية في طليعة الجهود الرامية لإبقاء النزاع على جدول الأعمال الدولي.”
لكن المجزرة بدأت تُعامل وكأنها مجرد هامش في السرد العام.
فعندما عُقد اجتماع برلماني يضم جميع الأحزاب لمناقشة السودان بعد الهجوم، ساد الاستياء.
يقول أبو قردة:
“لم يذكر أيٌّ من المتحدثين ما حدث في زمزم.”
ويضيف أنه طُلب لاحقًا عقد جلسة خاصة لمناقشة الهجوم، لكن الطلب رُفض.
وفي الأثناء، يتضمن تقرير غير منشور للأمم المتحدة عن الفظائع في السودان، وفقًا لمصادر، “إشارة نصف سطر لما جرى في زمزم”.
وبعد 37 يومًا من سقوط زمزم، أعلنت بريطانيا رغبتها في توقيع اتفاق تجاري مع الإمارات.
في دارفور، لا تزال هنادي تُحتفى كرمز. لكن من المرجح أن قتلتها لن يواجهوا العدالة أبدًا.
منزلها السابق بات شبه مهجور؛ إذ تتوزع أسرتها بين طويلة وتشاد وقريتهم الأصلية في شمال دارفور.
يعتقد محققو الأمم المتحدة أن “التهجير المتعمد” كان الدافع وراء الهجوم، بينما يرى آخرون أن نهب زمزم كان بهدف تمويل مقاتلي الدعم السريع.
ويصر السكان على أن المهاجمين أرادوا “إبادتهم”.
ورغم قتامة المشهد، تأتي أحيانًا أخبار مفرحة من دارفور:
بعد 18 يومًا من البحث في طويلة عن طفلها الصغير، علمت فاطمة بخيت، عن طريق امرأة مصابة، أن ابنها على قيد الحياة، يبعد 19 كيلومترًا في منطقة شقرة.
وفي مايو، تم لمّ شملهما.
لكن مجزرة عرقية أخرى تلوح في الأفق؛ فمدينة الفاشر التي يزيد عدد سكانها عن مليون محاصرة، جائعة، وتحت هجوم قوات الدعم السريع.
ومع اشتداد القتال، سيظهر أبطال جدد مثل هنادي.
هم أيضًا، سيُدفنون في قبور سرية، ليصبحوا أساطير في حرب لا نهاية لها.
حفاظًا على سلامتهم، تم التعريف بمعظم الشهود في هذا التقرير بأسمائهم الأولى فقط أو بأسماء مستعارة.
أعلام تجمع روابط دارفور
لندن – 07 /اغسطس/2025






